الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
241
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
مما يشغل قلبه فلا يكره التغميض قطعا بل ينبغي أن يكون مستحبّا في هذه الحالة . وقد كانت صلاته - صلى اللّه عليه وسلم - متوسطة ، عارية عن الغلو كالوسوسة في عقد النية ، ورفع الصوت بها ، والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرّا ، وتطويل ما السنة تخفيفه ، كالتشهد الأول ، إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلى بداء الوسوسة ، عافانا اللّه منها . وهي نوع من الجنون ، وصاحبها بلا ريب مبتدع مستنبط في أفعاله وأقواله شيئا لم يفعله النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ولا أحد من أصحابه . وقد قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن خير الهدى هدى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها » « 1 » وعنه : « إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار » « 2 » . ومما نسب لإمام الحرمين : الوسوسة نقص في العقل ، أو جهل بأحكام الشرع . ومن غرائب ما يقع لهؤلاء الموسوسين ، أن بعضهم يشتغل بتكرير الطهارة حتى تفوته الجماعة ، وربما فاته الوقت ، ومنهم من يشتغل بالنية حتى تفوته التكبيرة الأولى ، وربما تفوته ركعة أو أكثر ، ومنهم من يحلف أن لا يزيد على هذه التكبيرة ثم يكذب . ثم من العجب أن بعضهم يتوسوس في حال قيامه حتى يركع الإمام ، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعا وأدركه ، فمن لم يحصل له النية في القيام الطويل حال فراغ باله ، فكيف حصلت له في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة . ومنهم من يكثر التلفظ بالتكبير ، حتى يشوش على غيره من المأمومين ، ولا ريب أن ذلك مكروه ، ومنهم من يزعج أعضاءه ، ويحنى جبهته ، ويقيم
--> ( 1 ) صحيح : وهو جزء من حديث أخرجه مسلم ( 867 ) في الجمعة ، باب : تخفيف الصلاة والخطبة ، من حديث جابر - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه ابن ماجة ( 46 ) في المقدمة ، باب : اجتناب البدع والجدل ، من حديث ابن مسعود - رضى اللّه عنه - ، وللحديث شواهد من حديث العرباض بن سارية أخرجه أصحاب السنن .